دوافع الاستشراق

دوافع الاستشراق

بعد الانتهاء من الحديث عن نشأة الاستشراق سأتعرض في هذا المبحث للحديث عن دوافع الاستشراق وأشهرها خمسة وهناك من زاد على ذلك ولكن نحن إن شاء الله سنقتصر على ما ورد في كتاب مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في كتابه الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم. وهي خمسة على الشكل التالي:

 1- الدافع الديني: يقول مصطفى السباعي: "لا نحتاج إلى استنتاج وجهد في البحث لنتعرف إلى الدوافع الأولى للإستشراق عند الغربيين وهو الدافع الديني. فقد بدأ الرهبان ... واستمر كذلك حتى عصرنا الحاضر كما سنرى وهؤلاء كان يهمهم أن يطعنوا في الإسلام ويشوهوا محاسنه ويحرفوا حقائقه ليثبتوا لجماهيرهم التي تخضع لزعامتهم الدينية أن الإسلام – وقد كان يومئذ الخصم الوحيد للمسيحية في نظر الغربيين – دين لا يستحق الانتشار، وأن المسلمين قوم همج لصوص وسفاكوا دماء، يحثهم دينهم على الملذات الجسدية ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي، ثم اشتدت حاجتهم إلى هذا الهجوم في العصر الحاضر بعد أن رأوا الحضارة الحديثة قد زعزعت أسس العقيدة عند الغربيين وأخذت تشككهم بكل التعاليم التي كانوا يتلقونها عن رجال الدين عندهم فيما مضى فلم يجدوا أخيرا من تشديد الهجوم على الإسلام لصرف أنظار الغربيين عن نقد ما عندهم من عقيدة وكتب مقدسة، وهم يعلمون ما تركته الفتوحات الإسلامية الأولى ثم الحروب الصليبية ثم الفتوحات العثمانية في أوروبا بعد ذلك في نفوس الغربيين من خوف من قوة الإسلام وكره لأهله فاستغلوا هذا الجو النفسي، وازدادوا نشاطا في الدراسات الإسلامية"([1]).

2- الدافع الاستعماري: لما انتهت الحروب الصليبية بهزيمة الصليبيين وهي في ظاهرها حروف دينية في حقيقتها حروب استعمارية م ييأس الغربيون من العودة إلى احتلال بلاد العرب فبلاد الإسلام، فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات. ليتعرفوا إلى مواطن القوة فيها فيضعفوها وإلى مواطن الضعف فيغتنموها، ولما تم لهم الاستيلاء العسكري والسيطرة السياسية كان من دوافع تشجيع الاستشراق إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوسنا، وبث الوهن والارتباك في تفكيرنا وذلك عن طريق التشكيك بفائدة ما في أيدينا من تراث. وما عندنا من عقيدة وقيم إنسانية، فنفقد الثقة بأنفسنا ونرتمي في أحضان الغرب نستجدي منه المقاييس الأخلاقية والمبادئ العقائدية، وبذلك يتم لهم ما يريدون من خضوعنا لحضاراتهم وثقافتهم خضوعا لا تقوم لنا من بعده قائمة... ([2]).

3- الدافع التجاري: ومن الدوافع التي كان لها أثرها في تنشيط الاستشراق، رغبة الغربيين في التعامل معنا لترويج بضائعهم وشراء مواردنا الطبيعية الخام بأبخس الأثمان ولقتل صناعتنا المحلية التي كانت لها مصانع قائمة مزدهرة في مختلف بلاد العرب والمسلمين([3]).

4- الدافع السياسي: هناك دافع آخر أخذ يتجلى في عصرنا الحاضر بعد استقلال أكثر الدول العربية والإسلامية، ففي كل سفارة من سفارات الدول الغربية لدى هذه الدول سكرتيرا أو ملحقا ثقافي يحسن اللغة العربية ليتمكن من الاتصال برجال الفكر والصحافة والسياسة فيتعرف إلى أفكارهم، ويبث فيهم من الاتجاهات السياسية ما تريده دولته. وكثيرا ما كان لهذا الاتصال أثره الخطير في الماضي حين كان السفراء الغربيون – ولا يزالون في بعض البلاد العربية والإسلامية – يبثون الدسائس للتفرقة بين الدول العربية بعضها مع بعض وبين الدول العربية والدول الإسلامية بحجة وتوجيه النصح وإسداء المعونة بعد أن درسوا تماما نفسية كثيرين من المسؤولين في تلك البلاد وعرفوا نواحي الضعف في سياستهم العامة. كما عرفوا الاتجاهات الشعبية الخطيرة على مصالحهم واستعمارهم([4]).

5- الدافع العلمي: ومن المستشرقين نفر قيل جدا أقبلوا على الاستشراق بدافع من حب الاطلاع على حضارات الأمم وأديانها وثقافاتها ولغاتها وهؤلاء كانوا أقل من غيرهم خطأ في فهم الإسلام وتراثه، لأنهم لم يكونوا يتعمدون الدس والتحريف فجاءت أبحاثهم أقرب إلى الحق وإلى المنهج العلمي السليم من أبحاث الجمهرة الغالبة من المستشرقين بل أن منهم من اهتدى إلى الإسلام وآمن برسالته. على أن هؤلاء لا يوجدون إلا حين يكون لهم من الموارد المالية الخاصة ما يمكنهم من الانصراف إلى الاستشراق بأمانة وإخلاص لأن أبحاثهم المجردة عن الهوى لا تلقى رواجا لا عند رجال الدين ولا عند رجال السياسة، ولا عند عامة الباحثين. ومن ثمة فهي لا تدر عليهم ربحا ولا مالا، ولهذان وجود هذه الفئة في أوساط المستشرقين([5]).

هذا جل ما يخص الدوافع التي قام عليها الاستشراق من خلال الدراسات الإستشراقية.

أما الآن فإني سأتطرق لمبحث آخر ألا وهو أهداف الاستشراق التي في مجملها تنقسم إلى ثلاثة أقسام حسب الدراسات الاستشراقية.


 أهداف الاستشراق

1- الهدف الأول هو هدف علمي مشبوه:

 أ- يهدف من ورائه التشكيك بصحة رسالة النبي صلى الله عليه وسلم ومصدرها الإلهي فجمهورهم ينكر أن يكون الرسول نبيا موحى إليه من عند الله جل شأنه، ويتخبطون في تفسير مظاهر الوحي التي كان يراها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا وبخاصة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها فمن المستشرقين من يرجع ذلك إلى "صرع" كان ينتاب النبي صلى الله عليه وسلم حينا بعد حين. ومنهم من يرجحه إلى تخيلات كانت تملأ ذهن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من يفسرها بمرض نفسي، وهكذا كأن الله لم يرسل نبيا قبله حتى يصعب عليهم تفسير ظاهرة الوحي. ولما كانوا كلهم ما بين يهود ومسيحيين يعترفون بأنبياء التوراة. وهم كانوا أقل شأنا من محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ والتأثير والمبادئ التي نادى بها. كان إنكارهم لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم تعنتا مبعثه التعصب الديني الذي يملأ نفوس أكثرهم كرهبان وقسس ومبشرين.

وتبع ذلك إنكارهم أن يكون القرآن كتابا منزلا عليه من عند الله عز وجل وحين يفحمهم ما ورد فيه من حقائق تاريخية عن الأمم الماضية مما يستحيل صدوره عن أمي مثل محمد صلى الله عليه وسلم. يزعمون ما زعمه المشركون الجاهليون في عهد الرسول من أنه استمد هذه المعلومات من أناس كانوا يخبرونه بها.

ويتخبطون في ذلك تخبط عجيبا، وحين يفحمهم ما جاء في القرآن من حقائق علمية لم تعرف وتكتشف إلا في هذا العصر، يرجعون ذلك إلى ذكاء النبي صلى الله عليه وسلم فيقعون في تخبط أشد غرابة من سابقه([6]).

ب- ويتبع إنكارهم لنبوة الرسول وسماوية القرآن، إنكارهم أن يكون الإسلام دينا من عند الله وإنما هو ملفق. عندهم من الديانتين اليهودية والمسيحية وليس لهم في ذلك مستند يؤيده البحث العلمي وإنما هي إدعاءات تستند على بعض نقاط الالتقاء بين الإسلام والدينين السابقين.

ويلاحظ أن المستشرقين اليهود، أمثال جولدنسيهر وشاخت، هم أشد حرصا على ادعاء استمداد الإسلام من اليهودية وتأثيرها فيه([7]).

ج- التشكيك في صحة الحديث النبوي الذي اعتمده علماؤنا المحققون ويتضرع هؤلاء المستشرقون بما دخل على الحديث النبوي من وضع ودس متجاهلين تلك الجهود التي بذلها علماؤنا لتنقية الحديث الصحيح من غيره، مستندين إلى قواعد بالغة الدقة في التثبت والتحري. مما لم يعهد عندهم في ديانتهم عشر معشاره في التأكيد من صحة الكتب المقدسة عندهم([8]).

د- التشكيك بقيمة الفقه الإسلامي الذاتية، ذلك التشريع الهائل الذي لم يجتمع مثله بجميع الأمم في جميع العصور، لقد سقط في أيديهم حين إطلاعهم على عظمته وهم لا يؤمنون بنبوة الرسول فلم تجدوا بدا من الزعم بأن هذا الفقه العظيم مستمد من الفقه الروماني، أي أنه مستمد منهم – الغربيين – وقد بين علماؤنا الباحثون تهافت هذه الدعوى، وفيما قرره مؤتمر القانون المقارن المنعقد بلاهاي من الفقه الإسلامي فقه مستقل بذاته وليس مستمدا من أي فقه آخر ما يفصم المتعنتين منهم. ويقنع المنصفين الذين لا يبغون غير الحق سبيلا([9]).

هـ- التشكيك في قدرة اللغة العربية على مسايرة التطور العلمي لنظل عالة على مصطلحاتهم التي تشعرنا بفضلهم وسلطانهم الأدبي علينا. وتشكيكهم في غنى الأدب العربي وإظهاره مجدبا فقيرا لنتجه إلى آدابهم.

وذلك هو الاستعمار الأدبي الذي يبغونه مع الاستعمار العسكري الذي يرتكبونه([10]).

تلك هي الأهداف العلمية التي يعمل بها أكثرهم أو جمهرتهم الساحقة.

2- الأهداف الدينية والسياسية:

وتتلخص فيما يلي:

أ- تشكيك المسلمين بنبيهم وقرآنهم وشريعتهم وفقههم ففي ذلك هدفان ديني واستعماري.

ب- تشكيك المسلمين بقيمة تراثهم الحضاري، يدعون أن الحضارة الإسلامية منقولة عن حضارة الرومان. ولم يكن  العرب المسلمون إلا نقلة لفلسفة تلك الحضارة وآثارها. لم يكن لهم إبداع فكري ولا ابتكار حضاري. وكان في حضارتهم كل النقائص، وإذا تحدثوا بشيء عن حسناتها – وقليلا ما يفعلون – يذكرونها على مضض مع انتفاض كبير.

ج- إضعاف ثقة المسلمين بتراثهم وبث روح الشك في كل ما بين أيديهم من قيم وعقيدة ومثل عليا، ليسهل على الاستعمار تشديد وطأته عليهم ونشر ثقافته الحضارية فيما بينهم فيكونوا عبيدا لها يجرهم حبها إلى حبهم أو إضعاف روح المقاومة في نفوسهم.

د- إضعاف روح الإخاء الإسلامي بين المسلمين في مختلف أقطارهم عن طريق إحياء القوميات التي كانت لهم قبل الإسلام وإثارة الخلافات بين شعوبهم، وكذلك يفعلون في البلاد العربية. يعملون لمنع اجتماع شملها ووحدة كلمتها بكل ما في أذهانهم من قدرة على تحريف الحقائق وخلق الحوادث الفردية في التاريخ ليصنعوا منها تاريخا جديدا يدعوا إلى ما يريدون من منع الوحدة بين البلاد العربية والتفاهم على الحق، والخير بين جماهيرها([11]).

3- أهداف علمية خالصة: لا يقصد منها إلا البحث والتمحيص ودراسة التراث العربي والإسلامي دراسة تظهر لهم بعض الحقائق الخافية عنهم – وهذا الصنف قليل عدده جدا وهم، مع إخلاصهم في البحث والدراسة لا يسلمون من الأخطاء والاستنتاجات البعيدة عن الحق. إما لجهلهم بأساليب اللغة العربية. وإما لجهلهم بالأجواء الإسلامية التاريخية على حقيقتها وذلك لأنهم يتصورونها تماثل مجتمعهم. غافلين الفروق الطبيعية والنفسية والزمنية التي تفرق بين الأجواء التاريخية التي يدرسونها. وبين الأجواء الحاضرة التي يعيشونها.

وعلى العموم فإن هذه الفئة أسلم الفئات الثلاثة في أهدافها وأقلها خطرا إذ سرعان ما يرجعون إلى الحق حين يتبين لهم، فمنهم من يعيش بقلبه وفكره في جو البيئة التي يدرسها فيأتي بنتائج تنطبق مع الحق والواقع ومن أمثلتهم "توماس أرنولد" حين أنصف المسلمين في كتابه العظيم " الدعوة إلى الإسلام " فقد برهن على تسامح المسلمين  في جميع العصور مع مخالفيهم في الدين، على عكس مخالفيهم معهم بحيث يعتبر هذا الكتاب من أدق وأوثق المراجع في تاريخ التسامح الديني في الإسلام.

ونذكر أيضا المستشرق الفرنسي الفنان "دينيه" الذي تعرض للبحث الخالص لوجه الحق والذي عاش في الجزائر فأعجب بالإسلام وأعلن إسلامه وتسمى باسم "ناصر الدين دينيه" وقد ألف مع عالم جزائري كتابا عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وله كتاب «أشعة خاصة بنور الإسلام» يبين فيه تحامل قومه على الإسلام ورسوله.

 

منبع: نرم افزار قرآن و مستشرقان

 

 

 

([1])- مصطفى السباعي الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم ص 15/16 المكتب الإسلامي ط3 سنة 1405هـ/1980م بتصرف.

([2])- مصطفى السباعي الإستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم  ص 17 يتصرف.

([3])- مصطفى السباعي نفس المصدر السابق ص 18 بدون تصرف.

([4])- مصطفى السباعي نفس المصدر السابق ص 18/19 بدون تصرف.

([5])- مصطفى السباعي الإستشراق والمستشرقون مالهم وما عليهم ص 19 بدون تصرف.

([6])- مصطفى السباعي الإستشراق والمستشرقون مالهم وماعليهم ص 20/21 بدون تصرف.

([7])- مصطفى السباعي الإستشراق والمستشرقون مالهم وماعليهم ص 21 بتصرف.

([8])- مصطفى السباعي نفس المصدر السابق ص 21/22 بتصرف.

([9])- مصطفى السباعي نفس المصدر السابق ص 22/23 بدون تصرف.

([10])- مصطفى السباعي نفس المصدر السابق ص 23 بدون تصرف.

([11])- مصطفى السباعي الإستشراق والمستشرقون مالهم وماعليهم ص 23/24 بدون تصرف.

نظرات و پیشنهادات خود را با ما در میان بگذارید ...


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

طراحی سایت و بهینه سازی سایت از فرا سی ام اس