تاريخ ظاهرة الاستشراق

تمهيد

    مما لاشك فيه أن موقف الكفار من المشركين، وأهل الكتاب كان موقف العداء والبغض لهذا الدين منذ ظهوره، بإنكار الرسالة، وتكذيب الرسول، وإثارة الشبهات، لتشكيك المسلمين بدينهم،قال تعالى: (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)[البقرة: 105].


   وقال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق) [البقرة: 109].

   وهذه الشبهات التي رددها الكفار هي التي تمسك بها المستشرقون وأخذوا يرددونها بصورة أو بأخرى خلال العصور الوسطى والحديثة

    وهنا نشير إلى أن "الاستشراق بهذا المعنى الذي هو موقف عداوة في العقيدة من قبل الكفار، وأهل الكتاب للإسلام والمسلمين، ليس في جوهره ظاهرة جديدة بين الإسلام وغير المسلمين، وإنما هو امتداد لظاهرة قديمة ترجع بدايتها التاريخية الحقيقية إلى بداية الإسلام نفسه، وإن لم تكن تسمى بهذا الاسم حينذاك".[i]

   يمكن أن نقسم تاريخ الاستشراق إلى مراحل هي:

أولا:  مرحلة بداية الفتح الإسلامي:

   بعد أن خرج العرب من جزيرتهم، وأبان الفتوحات الإسلامية الأولى لمصر والشام، أختلط المسلمون بالنصارى، وعاشوا في ظل الحكم العربي الإسلامي، وقد تمتعوا بسماحة الحكم الإسلامي، حتى أن بعضهم تسلم مناصب عالية: كيوحنا الدمشقي، ويحيى بن عدي، وعبد المسيح بن إسحاق الكندي، وهؤلاء من أهم الذين ساعدوا على خلق مفاهيم الغرب عن الإسلام، فقد كتب يوحنا الدمشقي كتابه (إرشاد النصارى في جدل المسلمين)، وقد صب هجوما عنيفا على الرسول r  واتهمه باختلاق الوحي، فأصبح هذا الاتهام المحور التقليدي لجميع كتابات القرون الوسطى.[ii]

ثانيا: مرحلة انتشار الإسلام وتكوين دولة إسلامية عظمى:

   ثم امتد الزحف الإسلامي تدريجيا، حتى شمل بلاد كثيرة، ومناطق شاسعة، ذات أهمية كبيرة تابعة للإمبراطورية الرومانية المسيحية، ومنها أسبانيا وأجزاء من فرنسا، ولم يكن الفتح الإسلامي عسكريا فقط بل كان حضاريا وثقافيا، حتى أعجب الأسبان بهذه الحضارة مما دعا الدول الأوربية إلى إرسال الرهبان والقساوسة لطلب العلم والمعرفة من الجامعات العربية، كما شارك اليهود في هذه الفترة في نشر الثقافة الإسلامية بالأندلس، من خلال ترجمت كثيرا من الكتب العربية ونقلها إلى غرب أورباء، و يمكن أن نقول أنه في هذه الفترة ظهرت طلائع المستشرقين، ومعظمهم من الرهبان، ومن أوائلهم راهب فرنسي يدعى "جيبير" حيث قصد الأندلس وأخذ من علمائها، وتلقى العلوم الإسلامية بعد أن أتقن اللغة العربية، وكان من أنبه خريجي جامعة قرطبة، حتى اعتبره المؤرخون من أوسع علماء عصره ثقافة بالعربية، والرياضيات، والفلك، وقد تدرج في السلك الكهنوتي حتى أصبح حبرا أعظم، وتسمى باسم "سلفستر الثاني"، فأمر على الفور بإنشاء مدرستين عربيتين: الأولى في روما، والثانية في ريمس، ثم أضاف إليها مدرسة شارتر، وترجم بعض الكتب الرياضية، والفلكية.

   وفي هذه الفترة انتعشت حركة ترجمة الكتب العربية إلى اللغة اللاتينية، وكان من أشهر المترجمين إلى اللغة اللاتينية "يوسف بن قمحي"، وقد ترجم "موسى بن طبون" كتاب "العناصر" لأقليدس، وكتاب "القانون" لابن سيناء، وكتاب"الترياق" للرازي، وشروح ابن رشد الصغيرة لأرسطو، كما ترجم "يعقوب بن طبون" العديد من الرسائل العربية إلى اللغة العبرية، وترجم بعضها إلى اليونانية. 

   ومن أشهر الرهبان الأوائل الذين اهتموا بالدراسات العربية الإسلامية "بطرس المبجل" رئيس دير كلوني الشهير، فقد زار أسبانيا مرتين، وعنى بأحوال المسيحيين في أسبانيا، وكان من المتحدثين باللغة العربية، استقر رأيه على ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية، بهدف فهمه أولا، ثم الرد عليه ثانيا، وكان هذا الحدث المعلم البارز والأساسي في مجال الدراسات الإسلامية بأوربا الغربية.[iii] 

   لابد أن نشير إلى أن الدافع إلى هذه الدراسات في هذه الفترة الزمنية لم يكن الاستفادة العلمية فقط، ولكن هدفها الحقيقي يتمثل في الاطلاع على التراث الإسلامي، والثقافة الإسلامية، لمقارعة المبادئ والقواعد الإسلامية، بغية دراستها، وفهمها، ثم الرد عليها، كما أن هدف الرهبان والقساوسة الذين انكبوا على تعلم التراث الإسلامي، والثقافة الإسلامية هو التبشير، فيكون الاستشراق في هذه المرحلة أداة من أدوات الاستشراق.[iv]

   وملخص هذه الفترة أن الاستشراق قبل الحروب الصليبية كان هدفه ديني وتبشيري، وسببه الانتقام من الفتوحات الإسلامية الأولى.[v]

ثالثا: مرحلة ما بعد الحروب الصليبية:

   شن الغرب المسيحي على المسلمين الحروب الصليبية التي استمرت نحو قرنين من الزمان، وانتهت بالفشل الذريع، وعاد العديد من المسيحيين إلى بلادهم، ومعهم الآلاف الكتب والمخطوطات العربية، حيث نقلوها إلى المكتبات الأوربية المختلفة، ولا تزال هذه الكتب المنبع الذي لا ينضب للمستشرقين قديما وحديثا.

   وهنا برز إلى عالم الفكر فلاسفة، ومفكرون، لإنهاء المسألة الشرقية، وكان على رأس هؤلاء "روجر بيكون" الذي يرى أن الحرب المقدسة عديمة الفائدة للاستيلاء على الشرق، وأن أفضل وسيلة لنشر المسيحية بين المسلمين، هو التبشير السلمي، ثم ذكر الأسباب التي تساعد على نشر المسيحية بين المسلمين ومنها: معرفة لغات الشعوب التي يراد التبشير فيها، والإلمام بعقائد من يراد تبشيرهم، والتمكن من الحجج والبراهين الفلسفية والعلمية التي تتخذ كأساس لدعوة غير المسيحيين إليها.[vi]

   هذه الأسباب أدت إلى الاهتمام بالشرق، ومن هنا كان الاهتمام بالدراسات الفلسفية للتسلح بسلاح الجدل والمناظرة المبنية على اليقين والبرهان[vii] .

   وعندما ازداد الاضطهاد المسيحي للمسلمين في أسبانيا، وما توالت من نكبات لحقت المكتبات العربية، من حرق، وإتلاف، شعر المستنيرون منهم بهذا الخطأ الفادح فاتجهوا إلى تجميع التراث العربي الإسلامي للاستفادة منه، فدعم "ألفونس" ملك قشتاله أحد المتمكنين من اللغة العربية ويدعى "ميشيل سكوت" ليقوم بالبحث في علوم المسلمين وحضاراتهم فجمع هذا الشخص طائفة من الرهبان وشرعوا يترجمون العديد من الكتب العربية إلى اللغة الأفرنجية، وأرسلت نسخ من هذه الترجمات إلى صقلية التي قام ملكها باستنساخها، وأرسل صورة منها ألى جامعة باريس.

   كان أبرز من تخرج من مدرسة الدراسات الشرقية والتي أنشئت في طليطلة "ريموند مارتيني" الذي قيل عنه بأنه لم يظهر في أوربا في تلك العصور من يضاهيه في معرفته باللغة العربية، والمؤلفين العرب، وكان يتقن إلى جانب العربية العبرية، والكلدانية، واليونانية، وقد تبحر في القرآن، وحفظ صحيحي البخاري ومسلم، وألف كتاب "خنجر الإيمان" يرد فيه على المسلمين، واليهود، واعتمد فيه على حجج المسلمين خاصة الغزالي، وقد شاع هذا الكتاب، وظل طوال قرون نموذجا رفيعا للجدل الديني بين فقهاء المسيحيين والإسلام.

    كما تخرج من الجامعات الأوربية اللاهوتية العديد من الرهبان المبشرين كان من أهمهم "ريموند لول " الذي كان يتقن العربية، وعمل بالتبشير في البلاد الإسلامية، لكنه فشل في ذلك، ثم طالب بتأسيس مدارس تعلم لغة الملحدين حسب تعبيره يعني بذلك المسلمين، حتى تمكن من إقناع الملك "جيمس الثاني" بإنشاء مدرسة لتدريب المبشرين وتعليمهم اللاهوت، واللغات الشرقية.[viii]

    وفي مؤتم فيينا أقر بابا الفاتيكان بإنشاء كراسي في خمس من الجامعات الغربية لدراسات اللغات الشرقية.[ix]

   و بعد فتح القسطنطينية وصول المسلمين مشارف أوربا الغربية  تظافر الخوف من الإسلام مع الجهل به والحقد عليه في تكوين صورة مشوهة عنه في أوربا، واستمرت هذه الصورة لم تتغير حتى العصر الحاضر.[x]

   نشير إلى أنه في هذه الفترة ارتبط الاستشراق بالاستعمار، حيث درس الغرب الشرق من حيث: سكانه، وعاداته، واقتصادياته، وطرق تجارته، ومواطن القوة والضعف فيه، كما اتجهت اهتماماتهم بالشرق بصفة عامة فقاموا برحلات إلى الصين وأفريقيا، والذي يخدمهم في هذا الغرض المبشرون و المستشرقون، فأسست الجمعيات الجغرافية البريطانية والفرنسية، وأرسلت الرحالة، والمستكشفين، وهكذا سخر الاستشراق في هذه المرحلة لخدمة الأغراض السياسية تمهيدا لاستعمار أفريقيا والشرق كله، ومن هنا خدم المستشرق المستعمر ودخل الاستشراق في الاستعمار، لأهداف سياسية وتجارية.[xi]

   ونرى أن تاريخ الاستشراق مرتبط بالتاريخ الإسلامي وذلك أن الاستشراق تتغير وسائله تبعا لتغير التاريخ الإسلامي، فمثلا، في المرحلة الأولى كانت بداية كتابات المستشرقين هي نتيجة لأعجابهم بالإسلام، ثم في المرحلة الثانية وهي اتساع رقعة الدولة الإسلامية نتج عن ذلك الخوف من هذا الدين ، مما دفعهم إلى استخدام التبشير، أما المرحلة الثالثة، وبعد أن يأس أعداء الإسلام من مقاومته بالقوة لجئوا إلى وسيلة جديدة وهي دراسة شاملة للشرق عن طريق المستشرقين تمهيدا لالاستعمار.

 

 تقديم الطالبة / هيا العتيبي

 إشراف الدكتور/ خالد القاسم

 

 

 

 

[i] رؤية إسلامية للاستشراق د. أحمد عبد الحميد غراب  ص: 21 ، المنتدى الإسلامي ط 2، 1411 هـ.

[ii] انظر: الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية د. قاسم السامرائي، ص: 54 دار الرفاعي،ط 1، 1403 هـ، ومفتريات وأخطاء دائرة المعارف الإسلامية الاشتشراقية د. خالد القاسم 1/20 دار الصميعي، ط1، 1431هـ، ورؤية إسلامية للاستشراق ص: 33.

[iii] انظر: نقد الخطاب الاستشراقي د. ساسي سالم الحاج ص:1/ 40 – 44 دار المدار الإسلامي ط 1، 2002 م، و الحركة الاستشراقية  مراميها وأغراضها د. رشيد العبيدي، ص: 13 - 15 أنوار دجلة بغداد، 1424هـ، والمستشرقون لنجيب العقيقي 1/ 112 ، دار المعارف ، ط4، وتاريخ حركة الاستشراق، لعمر لطفي العالم، ص: 15 ، دار المدار الإٌسلامي، ط: 2، 2001 م.

  [iv] انظر: السابق 1/  43 ، 44 ، 45 .

[v] انظر: السابق 1/ 47.

[vi] انظر: السابق 1/ 49 – 50 ، ورؤية إسلامية للاستشراق  ص: 23 – 24.  

[vii] انظر: نقد الخطاب الاستشراقي 1/ 50.

[viii] انظر: السابق 1/ 49 – 53 ، والاستشراق بين الموضوعية والافتعالية ص: 92 -93.

[ix] مفتريات وأخطاء دائرة المعارف الإسلامية 1/ 23 .

[x] انظر: السابق 1/ 25 ، ورؤية إسلامية للأستشراق  ص: 25 .

[xi] انظر: نقد الخطاب الا ستشراقي 1/ 56 – 58.

 

 

 

 -------------------------------------------------------------------

 

المراجع:

 

1. رؤية إسلامية للاستشراق د. أحمد عبد الحميد غراب ، المنتدى الإسلامي ط 2، 1411 هـ.

2. الاستشراق بين الموضوعية والافتعالية د. قاسم السامرائي، دار الرفاعي،ط 1، 1403 هـ،

3. مفتريات وأخطاء دائرة المعارف الإسلامية الاشتشراقية د. خالد القاسم دار الصميعي، ط1،

4. نقد الخطاب الاستشراقي د. ساسي سالم الحاج دار المدار الإسلامي ط 1، 2002 م.

5. الحركة الاستشراقية  مراميها وأغراضها د. رشيد العبيدي، أنوار دجلة بغداد، 1424هـ.

6. والمستشرقون لنجيب العقيقي ، دار المعارف ، ط4.

7.تاريخ حركة الاستشراق، لعمر لطفي العالم، دار المدار الإٌسلامي، ط: 2، 2001 م.

نظرات و پیشنهادات خود را با ما در میان بگذارید ...


تصویر امنیتی
تصویر امنیتی جدید

طراحی سایت و بهینه سازی سایت از فرا سی ام اس